الفضاء الافتراضي للمرأة المسلمة
دراسة مضمون بعض المواقع الإسلامية النسائية
د. إقبال الغربي
في التسعينات من القرن الماضي، اعتبر العديد من الباحثين أنّ التقنيات الحديثة في إطار الاتّصال المعولم لا تخص سوى البلدان المصنّعة. علاوة على اعتبار أنّ مجال الديانات، وأساسًا الإسلامي منه، لا يمكن أن تمسّه بجديّة التغيّرات المتطوّرة، التي تعني نخبًا متميزة ومتخصّصة. في حين تمّ اعتبار جمهور النساء، بداهة، ناشز بطبيعته وعديم التأثّر بكلّ الابتكارات التكنولوجيّة الحديثة.
بيد أن الأحداث العالميّة التي ميّزت بداية الألفيّة الثالثة، وخاصة اعتداءات 11 سبتمبر، وظهور القاعدة، تكفّلت بتغيير هذه المعادلة بتعديل هذه القناعات.
من ذلك، يجد التطوّر العالمي الراهن للحركة الإسلاميّة، على الأقلّ جزئيّا، عبر اعتماد وسائل عصريّة للاتّصال، وعلى وجه الخصوص الانترنت كعامل دعاية وتعبئة.
فالدخول القويّ للإسلام السياسي على الشبكة، سرّع في قوّة وسائل التوزيع، كما قلبت في السّابق الطباعة ووسائل الإعلام الجديدة سبل انتقال الآراء وأنماط سريانها.
تتوجّه راهنًا عديد المواقع الالكترونية إلى النساء المسلمات، وتتزايد هذه الظاهرة باستمرارّ ونلاحظ انه من السابق عن أوانه الخروج الآن بخلاصات نهائيّة بخصوص تأثيرات هذه الأداة الإعلامية الجديدة على التصورات وعلى المواقف، وعلى السلوكيات، وعلى صيغ اتخاذ القرارات من قبل النساء في البلاد الإسلامية.
فهل فرضت هذه المواقع مثلا مساواة في فرص التمتع بتكنولوجيا المعلومات وقلصت من الفجوة الرقمية بين الرجال والنساء..
ما هي محدودية انخراط النساء في تكنولوجيا المعلومات علما أن الأمية وخاصة الأمية الرقمية لا تزال متفشية في العالم الإسلامي.
هل تعكس كثرة هذه المواقع الافتراضية واقع إدماج للمرأة في مجتمع المعلومات وتجاوزها للمعيقات التقليدية في هذا المجال.
ضمن هذه الدراسة، سأعمل على الإحاطة ـ من خلال دراسة محتوى عشرين موقعًا يخاطب النساء ـ ببناء الهويّة الإسلامية المعروضة على مستعملات الانترنت، وكذلك بصور الغَيْريّة وتمثلات الآخر المقدّمة في هذا الفضاء الرقمي.
كما تعلمون، تطوّرت شبكة الانترنت تحت إشراف Defense Advanced Research Project (DARPA)، في نهاية الستّينات، التي أرادت وضع شبكة قادرة على الصمود أمام الحرب الذريّة المحتملة. هذا الجهاز أنشأ هذه الشبكة وطوّر منظومة شبكات معلوماتيّة مترابطة، تمكّنه من بلوغ غايتين، أساسيتين لوجود بنيته ومواصلة أداء دوره في مجال السلامة والدّفاع : اللاّمركزيّة والتبسيط. وهنا تزاحم المأساة الملهاة عندما يلعب هذان العنصران دورًا استراتيجيّا في تطوير منظومة الإسلام السياسي الدولي اليوم. بل إن بعض الباحثين يتحدّثون اليوم عن "اختطاف آليات المشهد وتوظيفها لتدمير مجتمع المشهد" ! بينما أصبح العديد من الخبراء يستعملون مصطلحات جديدة لوصف هذه الظاهرة مثل مفهوم «الإسلام الشبكي» e-islam، أو "الجهاد الافتراضي" أو "الجهاد اون لين".
تشكل الانترنت كما سبق واشرنا إليه شبكة جيّدة الصنع وصلبة، وهي مواتية بحكم تركيبتها الأصليّة للتخفّي وللتمويه على نقطة المصدر.
مع ذلك، فقد تمّ الترحيب بهذه الوسيلة العصريّة ـ التي استمدتّ وجودها من رغبة وزارة الدفاع في الولايات المتّحدة في جعل بنيتها الاتّصاليّة بمنأى عن الهجمات النووية السوفيتيّة ـ واعتبرت عامل من عوامل حوار وتوحيد الثقافات. وقد برزت الانترنت بالنسبة للمؤسّسات والمستهلكين والحكومات كوسيلة تحرر، مقدّمة فرص مذهلة لبناء منتديات النقاش العام المفتوح لمشاركة الجميع وتواصل والجدل حيث تستطيع القرية العالميّة الاجتماع وتبادل الآراء بغية مساندة الديمقراطيّة المباشرة وتطويرها عبر العالم. وقد ذهب البعض إلى حدّ اعتبار الانترنت أساس المجتمع الديمقراطي للقرن الواحد والعشرين مؤكدا على القيم الأساسيّة التي يتقاسمها مع الديمقراطيّة : الانفتاح، والمساهمة وحريّة التعبير للجميع. وهو ما يثمن أهمية هذا الفضاء العام الذي ينتظم فيه قانون الحجة الأفضل وتتحقق فيه بالتالي في شكل تواصلي وإجرائي في نفس الوقت سيادة الديمقراطية المباشرة.
على وجه التحديد، يقدّم الانترنت عديد الخدمات الهامّة : تأسيس علاقة متحررة ومستقلة إزاء إعلام الرتابة والرقابة السائد في معظم البلدان ٬ دخول ميسّر، لا وجود لقواعد تقريبًا أو رقابة أو أيّ شكل من المراقبة الحكوميّة الفجة، جمهور عريض يتوزّع حول العالم بأسره، اتّصالات مجهولة المصدر وسهلة، كلفة ضئيلة وفي بعض الأحيان مجانية وسياق متعدّد الوسائط.
و في هذه الفترة لم تكن الحركات الإسلامية تستعمل الشبكة بشكل مكثف.و حسب خبير الجماعات الإسلاميّة المصري ضياء رشوان، مؤلف "دليل الحركات الإسلامية" فإنّ التنظيم الوحيد في بداية التسعينات من القرن الماضي، الذي كان يملك موقعًا على الانترنت هي «الجماعة الإسلاميّة» المصريّة. في حين لم يكن بإمكان القاعدة مثلا أن ترسل رسائلها وأن تتبنّى اعتداءات نيروبي ودار السلاّم إلا بطريقة تقليدية أي من خلال جهاز الفاكس.
إثر ذلك، رفع الإسلاميون من وتيرة استعمال الانترنت، رمز تكنولوجيا الغرب وعلى وجه الدقّة أمريكا، التي يندّدون بها دون توقّف، لكنّ هذا التصرّف البراغماتي الذي شرّع تسخير هذه الوسيلة "الغربية" اثبت وجاهته وكان له العديد الامتيازات:
ـ فبفضل هذه التكنولوجيا عمدت التنظيمات والشبكات الإسلاميّة المحرومة من الفضاءات الجغرافيّة الأساسيّة لنشاطاتها، إلى إعادة تنظيم ذاتها داخل هذا العالم الافتراضي، من خلال الاستفادة من الامتيازات التي يوفرها الانترنت، بغية دعم استراتيجياتها وضمان البقاء والاستمراريّة.
ـ من ناحية أخرى، يأتي الانترنت في قلب الاقتصاد الرقمي، سواء التعاملات الماليّة أو حركة البيع والشراء من خلال الشبكة، ممّا يمنحها حماية الحكومات الغربيّة. ورغم التهديدات والمخاطر الهامّة ورغم تشويش الدعوة الإسلامية والجهادية ، فمن غير المحتمل أن يتمّ القضاء على هذا الوسيط الإعلامي، ولو بشكل جزئي. لأنّ أي مساس بالانترنت له تأثيرات خطيرة وتبعات مدمرة على الاقتصاد العالمي. لقد أصبح الانترنت إذًا، أساس الاتصالات العالميّة والمبادلات التجاريّة، وهو ما يمثل ضمانة بالنسبة لمستعمليه.
ـ إضافة إلى هذه الاعتبارات، وجب القول أنه قبل مجيء الانترنت، كانت الرغبة في الاطّلاع لدي الجمهور يتمّ السيطرة عليها من قبل «حدّ القبول» التي تفرضه وسائل الإعلام وتقرّر من خلاله الأخبار والأحداث الجديرة بالذكر، وأساسًا أسلوب تقديمها إلى المتلقي. بينما تحدد المواقع الالكترونية اليوم بنفسها، محتوى ما تصدره، وهو مّا يلغي آليات الأخلاقيات الإعلامية و«حدّ القبول».
لقد تبيّن من خلال مقاربة المواقع النسائية الموجودة على الشبكة ضبابية وعدم دقّة اعتماد لفظ «منظمات إسلامية» بخصوص المشهد الإسلامي النسائي على الانترنت، الذي هو قليل التنظيم أو هو غير منظّم، والذي لا يملك أنشطة ذات تأثير حاسم على المستوى العالمي. لذلك لا يمكننا أن نجزم أو نحدد علاقات هذه المواقع النسائية المدروسة بالحركات الإسلامية بصفة عامة وبالجماعات المنفّذة للعمليات الإرهابيّة بصفة خاصة. ويمكن أن تكون صلات هذه المواقع بالتنظيمات الإسلامية هامشيّة أو غير موجودة أصلا. فالانتقال من حالة المتلقي السلبي ومن حالة الإعجاب والتماهي إلى طور النشاط والعمل الحركي منوط بعدة عوامل نفسية واجتماعية وسياسية.فهناك فرق بين الاستعداد للإرهاب وممارسته فعليا. كما أننا في الآن ذاته، لا نعرف بصفة دقيقة من يقف وراء هذه المواقع. وفي هذا الإطار يمكن أن تكون هذه المواقع ذات الخطاب الراديكالي في عديد الحالات ، مجرّد طُعم، لتصيد المبحرات على الواب ومجرد فخ لربط الصلة بالناشطات الإسلاميات المهمّات والإيقاع بهن في أيادي الجهات الأمنية! من بين المواقع الالكترونية اخترنا عينة عشوائية لدراسة محتوياتها وتقنيات خطابها وهي التالية :
www.Akhawat.islamway.com أخوات طريق الإسلام
www.islamroses.com زهور الإسلام
www.da3ya.net الداعية
www.basracity.net/women المرأة المؤمنة
www.gafelh.com كفيلة الداعيات
www.islamway.com ركن الأخوات
www.muslimh.com المسلمة
www.lahaonline.com لها
www.muslimat.net شبكة المسلمات
www.laki.com لك
www.sajidine.com حياة المرأة الورعة والتقيّة (بالفرنسيّة)
www.nourislam.over-blog.net نور الإسلام
www.moujahdat.jeeran.com مجاهدات
www.alkhansa.com الخنساء
www.fatafer.net شبكة بنات الفردوس
بعض هذه المواقع ذات محتوى هادئ ومعتدل، كمثل "لكي اون لين" او "لها اون لين"، فهي تقدّم إضافات إلى النصوص الفقهيّة، بعض وصفات الحمية أو بعض التعليمات السيكولوجية لتربية الأطفال ونصائح الديكور، أو الصحّة والنظام الغذائي. و يبرز هذا الاختيار اتساع رؤية الحركات الإسلامية لدور الشبكة في الترويج لمشروعها الحضاري إذ لم تعد تقتصر على إقامة مواقع ومنتديات ذات طبيعة دعائية مباشرة بل توسعت إلى كل الاهتمامات الإنسانية مثل الترفيه والتسلية مرورا بالأخبار وانتهاء بالفتاوى والأحكام الفقهية. مواقع أخرى، كمثل «الخنساء» أو «المجاهدات»، تأتي أكثر شدّة. موقع «الخنساء» مثلا يرفع شعار "مع ذات الدثار لننفض الذل والعار" وينادي بصورة مباشرة بمبدأ «الولاء والبراء»، ويعرض صورة بنادق رشّاشة، فيما يقدّم موقع «مجاهدات» برنامج تمرين عسكري للنساء يدوم ثمانية أسابيع وإرشادات اللياقة البدنية للنساء المجاهدات!
تمكّن الوسائل التقنيّة الحديثة المشاركات في هذه المواقع من والاطلاّع على الصور وأشرطة الفيديو والأناشيد الدينيّة وسماع القرآن الكريم واعتماد وإنزال كتب الت